متون الكتب :  
الفهارس :  
أسماء الكتب والمؤلفين :  
استنفار قريش بعد الغدير
الكتاب : آيات الغدير    |    القسم : مكتبة أهل البيت (ع)

استنفار قريش بعد الغدير

تحركت قافلة النبوة والإمامة من غدير خمٍ نحو المدينة.. وسكن قلب النبي صلى الله عليه وآله واطمأن.. ولكن قريشاً لم تسكن، بل صارت في حالة غليانٍ من الغيظ!

هكذا تقول الأحاديث، ومنطق الأحداث.. فقريش لا تسكت حتى ترى العذاب الأليم! وقد قال لهم الصادق الأمين الذي لا ينطق إلا وحياً صلى الله عليه وآله: لا أراكم منتهين يا معشر قريش! !

إن آية العصمة من الناس كما قدمنا، لا تعني أن الله تعالى جعل الطريق أمام رسوله صلى الله عليه وآله ناعماً كالحرير، ولا أنه جعل له قريشاً فرساً ريِّضاً طائعاً..

إن قدرته تعالى لا يمتنع منها شيء.. ولكنه أراد للأمور أن تجري بأسبابها، وللأمة أن تجري عليها سنن الأمم الماضية، فتمتحن بإطاعة نبيها من بعده، أو معصيته..

وهذا يستوجب أن تبقى لها القدرة على معصيته.. أما على الردة في حياته وفي وجهه.. فلا.

إن قدرتها تصل الى حد قولها لنبيها صلى الله عليه وآله: لا نريد وصيتك ولا سنتك ولا عترتك، حسبنا كتاب الله! !


الصفحة 293

لكن ما بعدها ذلك خطٌّ أحمر.. هكذا أراد الله تعالى! !

لقد تحققت عصمة النبي صلى الله عليه وآله من قريش في منعطفات كثيرة في حجة الوداع.. في مكة، وعرفات، وفي ثلاث خطبٍ في منى، خاصةً خطبة مسجد الخيف..

وما تنفست قريش الصعداء إلا برحيله صلى الله عليه وآله دون أن يطالبها بالبيعة لعلي!

ولكن الله تعالى لم يكتف بذلك، حتى أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يوقف المسلمين في طريق عودتهم في حر الظهيرة، في صحراء ليس فيها كلأ لخيولهم وجمالهم، ولا سوق ليشتروا منه علوفة وطعاماً، إلا دوحةٌ من بضع أشجار على قليل من ماء.. وذلك بعد مسير ثلاثة أيام، ولم يصبر عليهم حتى يصلوا الى مدينة الجحفة التي لم يبق عنها إلا ميلان أو أقل، بل كان أول القافلة وصل الى مشارفها، فبعث اليهم وأرجعهم الى صحراء الغدير!

كل ذلك لكي يصعد الرسول صلى الله عليه وآله المنبر في غير وقت صلاة، ليرفع بيد ابن عمه وصهره علي عليه السلام ويقول لهم: هذا وليكم من بعدي، ثم من بعده ولداه الحسن والحسين، ثم تسعة من ذرية الحسين! عليهم السلام

هنا تجلت آية العصمة من الناس مجسمةً للعيان.. فقد كمَّمَ الله تعالى أفواه قريش عن المعارضة، وفتح أفواههم للموافقة، فقالوا جميعاً: نشهد أنك بلغت عن ربك.. وأنك نعم الرسول.. سمعنا وأطعنا.. وتهافتوا مع المهنئين الى خيمة علي.. وكبروا مع المكبرين عندما نزلت آية (اليوم أكملت لكم دينكم) !

ثم أصغوا جميعاً الى قصيدة حسان بن ثابت في وصف نداء النبي صلى الله عليه وآله، وإبلاغه عن ربه ولاية علي عليه السلام من بعده.

واستمرت التهنئة من بعد صلاة العصر الى ماشاء الله.. ومن بعد صلاة المغرب والعشاء تتابع عدد من المهنئين في العتمة، حتى طلع قمر ليلة التاسع عشر من ذي الحجة.. فقد بات النبي صلى الله عليه وآله في غدير الإمامة، وتحرك الى المدينة بعد صلاة فجره.. وقيل بقي فيه يومان!


الصفحة 294

أما كيف سلب الله تعالى قريشاً القدرة على تخريب مراسم الغدير.. وكيف كف ألسنتها.. وهي السليطةُ بالإعتراض.. الجريئةُ على الأنبياء؟!

وكيف جعلها تفكر بأن تمرر هذا اليوم لمحمد صلى الله عليه وآله يفعل لبني هاشم وعليٍّ ما يشاء؟! فذلك من عمله عز وجل، وقدرته المطلقة.. المطلقة!

هذا هو الأسلوب الأول الذي عصم الله به رسوله من ارتداد قريش، ولا بد أن ما خفي عنا من ألطافه تعالى أعظم.

أما الأسلوب الثاني فكان لغة العذاب السماوي، التي تفهمها قريش جيداً، كما كان يفهمها اليهود في زمان أنبيائهم! !

 


 شبكة البتول عليها السلام  @ 11-2006  -  www.albatoul.net

إنتاج : الأنوار الخمسة للإستضافة والتصميم @ Anwar5.Net